تتجه وزارة العدل في سوريا إلى تفعيل الوساطة القضائية بوصفها مساراً قانونياً مكملاً للقضاء التقليدي، يتيح تسوية النزاعات بالتراضي عبر الحوار والتفاوض، بما يسهم في تخفيف الضغط عن المحاكم واختصار أمد التقاضي وتكاليفه، والحفاظ على الحقوق والعلاقات الأسرية والتجارية.
ويتيح مشروع قانون الوساطة القضائية، المطروح حالياً للنقاش، للمتنازعين فرصة الوصول إلى حلول رضائية بمساعدة طرف ثالث محايد، ولا سيما في النزاعات المالية والأسرية والتجارية والتعاقدية، مع الحفاظ على حق الأطراف في اللجوء إلى القضاء والضمانات القانونية المقررة لهم.
خطوة لتطوير منظومة العدالة
أكد نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل أن مشروع القانون يمثل خطوة مهمة لتطوير منظومة العدالة، مشدداً على ضرورة تنظيمه، بما يضمن التكامل مع القضاء ويحفظ مكانة مهنة المحاماة واختصاصها. وأوضح الطويل أن الوساطة تقوم على استعانة أطراف النزاع بشخص ثالث محايد لتقريب وجهات النظر ومساعدتهم على التوصل إلى تسوية رضائية، بخلاف القاضي الذي يصدر حكماً ملزماً والمحكّم الذي يصدر قراراً تحكيمياً، إذ لا يملك الوسيط فرض حل على الأطراف أو إصدار أحكام.
وبيّن أن الوساطة لا تتعارض مع مهنة المحاماة، بل تفتح أمام المحامين مجالات عمل جديدة، وتنقل دورهم من إدارة الخصومة إلى المساهمة في إيجاد الحلول القانونية، مع ضرورة الفصل بين حياد الوسيط والانحياز القانوني المشروع للمحامي دفاعاً عن حقوق موكله. وحدد الطويل خمسة مطالب رئيسية للنقابة لضمان نجاح القانون، تشمل كفالة حق الاستعانة بالمحامي وحضوره جلسات الوساطة، وتنظيم المهنة وشروط تأهيلها وترخيصها، وحماية الاختصاص الحصري للمحامين في تقديم الاستشارات القانونية، وتنظيم الأتعاب باعتبار الوساطة عملاً مهنياً مستقلاً، وضمان صدور التسويات عن إرادة حرة لأطراف النزاع.
تخفيف أعباء التقاضي ودعم الاستثمار
من جهته، أوضح مدير مديرية التعاون الدولي في وزارة العدل سامر العبد، أن تفعيل الوساطة القضائية يشكل خطوة مهمة لتطوير منظومة العدالة في سوريا، لما يمكن أن يحققه من نتائج إجرائية واقتصادية. وبين أن مسودة مشروع القانون تندرج ضمن خطة النهوض والإصلاح القضائي 2025–2026 وبرنامج الوصول إلى العدالة، مشيرا إلى أن رؤية الوزارة لا تقتصر على إصدار التشريع، بل تشمل تهيئة البيئة اللازمة لنجاح الوساطة من خلال التدريب وبناء القدرات وتأمين المتطلبات اللوجستية والتقنية، وربطها بفاعلية بمنظومة العدالة.
وقال العبد: إن الوساطة تسهم في تسوية النزاعات بالتراضي، والحد من تراكم الدعاوى، واختصار الوقت والجهد والتكاليف على المتقاضين، فضلا عن الحفاظ على العلاقات بين الأطراف. كما توفر وسيلة مرنة لحل النزاعات التجارية والتعاقدية، بما يعزز الثقة بالبيئة القانونية، ويدعم استقرار المعاملات وتشجيع الاستثمار. ولفت إلى أن الوزارة تعمل حالياُ على مناقشة مسودة المشروع مع أصحاب الاختصاص، تمهيداً لإطلاق مسار تشاركي مع الجهات المعنية لبناء منظومة وطنية متكاملة للوساطة القضائية، موضحاً أن الوزارة ناقشت المشروع مع نقابة المحامين للاستماع إلى ملاحظاتها ومقترحاتها.
دور أساسي للمحامين في تنظيم الوساطة
بدورها، أشارت عضو مجلس نقابة المحامين في سوريا رهادة عبدوش إلى أن المشروع يسهم في ترسيخ ثقافة التسوية بدلاُ من الخصومة، والحد من تراكم القضايا، وحماية العلاقات الأسرية والتجارية، فضلاُ عن فتح مجالات عمل جديدة أمام المحامين، للانتقال إلى “المحاماة الوقائية” سواء عبر تمثيل الموكلين لضمان صياغة بنود متوازنة وقابلة للتنفيذ، أو العمل كوسطاء معتمدين بعد التأهيل والتدريب. وشددت عبدوش على ضرورة اضطلاع النقابة بدور أساسي في تنظيم الوساطة وضبط آلياتها، محذرة من احتمال تهميش دور المحامي أو نشوء منافسة غير عادلة في حال فُتح باب ممارسة الوساطة دون اشتراط معايير حقوقية وأكاديمية متخصصة، نظراُ لخطورة إسناد صياغة الاتفاقيات لغير الحقوقيين.
وكانت وزارة العدل نظمت في الـ 18 من آب الماضي المؤتمر الوطني الأول للوساطة القضائية في دمشق، بمشاركة وزراء ومسؤولين وخبراء وقضاة وحقوقيين وأعضاء من مجلس الشعب، لبحث دور الوساطة في تطوير منظومة العدالة وتفعيل وسائل بديلة ومرنة لتسوية المنازعات.
نقلاً عن وكالة الأنباء السورية SANA

التعليقات (0)