فن ومنوعات

تطور الطباعة في سوريا من المخطوطة إلى الصحيفة

3 نوفمبر 20265 min read

تطور الطباعة في سوريا من المخطوطة إلى الصحيفة
توثيق تاريخي لنقلة نوعية في المعرفة العربية بدأت بحلب عام 1706 وامتدت لدمشق لتؤسس لصناعة نشر متكاملة.

شكّلت الطباعة في سوريا محطة مفصلية في تاريخ المعرفة العربية، إذ نقلت الكتاب من أطر النسخ اليدوي البطيء والمحدود إلى آفاق النشر الواسع، وجعلت العلوم والآداب أكثر قرباً من مختلف شرائح المجتمع، فاتحاً الباب أمام نهضة فكرية رسّخت مكانة سوريا كمركز رائد للعلم والنشر في المنطقة.؜

حلب..؜ البوابة الأولى للطباعة العربية

توثق الموسوعة العربية السورية أن أول مطبعة بالحروف العربية في البلاد العربية أُنشئت في مدينة حلب عام 1706، لترتبط هذه الريادة باسم البطريرك أثناسيوس دباس الذي نقل خبرته التقنية من رومانيا إلى حلب، فيما تولى الشماس عبد الله الزاخر صبّ حروفها العربية المتقنة، وأثمر هذا التعاون عن طباعة أولى الكتب الدينية باللغة العربية، وفي مقدمتها كتاب المزامير والإنجيل.؜

ويعدّ باحثون هذه المطبعة الأولى من نوعها في المشرق العربي استخداماً للحروف العربية المتحركة، وهو ما منحها قيمة تاريخية وثقافية استثنائية، وفي هذا السياق، يذكر المؤرخ جرجي زيدان في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" أن السوريين كانوا أسبق المشارقة إلى الطبع بالأحرف العربية، مشيراَ إلى أن الحروف التي صُنعت في حلب فاقت جودتها كثيراَ من الحروف المستخدمة آنذاك في أوروبا.؜

دمشق وتأسيس صناعة نشر متكاملة

لم يكن إنجاز حلب مجرد حدث تقني عابر، بل كان بداية لشرارة حضارية انتقلت إلى دمشق التي شهدت توسعاَ ملحوظاَ في مجال النشر، حيث يوضح الروائي والأديب الدكتور نزار أباظة في تصريح لـ سانا، أن الطباعة دخلت دمشق عام 1840، ومع انتشار المطابع الحكومية ثم الأهلية خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأ الكتاب العربي يتحول تدريجياَ إلى صناعة احترافية واسعة الانتشار، جعلت دمشق إحدى أبرز الحواضر الثقافية في المنطقة.؜

بيّن أباظة أنه قبل ظهور المطابع الحديثة، كانت دمشق حاضرة أساسية لإنتاج المخطوطات وحفظ التراث العربي، حيث تطلّب النسخ اليدوي مهارة عالية وفتحات زمنية طويلة، وتنوعت نسخه بين النادرة والنفيسة المخصصة للمساجد وخزائن الدولة، والنسخ الاعتيادية التي اعتمد عليها طلاب العلم.؜

من المخطوطات النفيسة إلى الكتاب المطبوع

ومع دخول المطابع، شهدت عملية إنتاج الكتاب نقلة غير مسبوقة، إذ أتاحت نشر الكتب المدرسية والمعاجم والمؤلفات الفكرية على نطاق واسع وبكلفة أقل، ما أسهم بشكل مباشر في تعميم التعليم، ونشر الثقافة بين مختلف فئات المجتمع.؜

وفّر ازدهار الطباعة الأرضية الخصبة لنمو الصحافة السورية، حيث أتاحت المطابع إصدار الصحف والمجلات بانتظام، لتتحول إلى منابر فاعلة لنشر الفكر ومناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية، وخلقت هذه الشراكة بيئة حيوية عززت حركة النهضة العربية الحديثة ووسعت دائرة القرّاء.؜

ورغم مسيرة الإنجاز التي امتدت لأكثر من ثلاثة قرون، يواجه قطاع النشر اليوم تحديات معاصرة ترتبط بارتفاع تكاليف الطباعة وأسعار الورق وشبكات التوزيع، فضلاَ عن المتغيرات المتسارعة التي فرضها الكتاب الرقمي والتكنولوجيا الحديثة.؜

ويبقى التاريخ الحافل، من ريادة حلب في إدخال الحرف العربي المطبوع إلى دور دمشق المحوري في تطوير صناعة الكتاب والصحافة، شاهداً على الحضور الحضاري المستمر لسوريا كواحدة من أهم الحواضن الثقافية في العالم العربي.؜

نقلاً عن وكالة الأنباء السورية SANA

التعليقات (0)

0 / 600
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.