وفي السياق ذاته، بين الخبير القانوني أحمد قربي أن الأصل في القانون السوري هو أن تقادم الجناية يبدأ من تاريخ ارتكابها لمدة عشر سنوات، بينما تصل مدة تقادم العقوبة إلى 20 سنة، باستثناء عقوبة الإعدام التي تمتد إلى 30 سنة. ومع ذلك، فإن هذا الأصل لا ينطبق على الجرائم المستثناة بنصوص خاصة أو تلك الخاضعة لقواعد القانون الدولي، مما يفتح الباب لاستثناءات تتعلق بطبيعة الجرائم المرتكبة.
من جهته، أوضح الخبير عبد الرحمن العبد الله أن النص السوري لا يميز بصورة واسعة بين الجرائم الجنائية العادية والجرائم الأشد خطورة من حيث أحكام التقادم، ما يجعل الأصل العام هو خضوع الجريمة للتقادم إذا لم تحرك الدعوى العامة خلال المدة القانونية. وأشار إلى أن هذا الأصل قد يواجه استثناءات ترتبط بوجود مانع قانوني أو أمني أو قوة قاهرة حالت دون تمكن الضحية من تقديم شكواها أو تحريك الدعوى.
وأشار الخبير طارق حاج بكري إلى أن القانون السوري حدد مدد التقادم حسب نوع الجريمة، لكنه تضمن استثناءات تتعلق بالجرائم الواقعة على أمن الدولة. ولفت إلى أن جانبا كبيرا من الجرائم المرتكبة خلال حقبة النظام البائد يمكن أن يندرج ضمن هذا الإطار، فضلا عن إمكانية الاستناد إلى قواعد القانون الدولي بالنسبة للجرائم التي تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
وأضاف الخبراء أن المسألة لا يمكن حسمها بمجرد مرور مدة زمنية، بل تبدأ من التوصيف القانوني للفعل. فإذا كانت الواقعة جريمة جنائية عادية، فإنها تخضع لأحكام التقادم المنصوص عليها في القانون السوري، أما إذا ثبت أنها تشكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو جريمة إبادة جماعية، فإن قواعد مختلفة تدخل على خط المعالجة القانونية استنادا إلى الاتفاقيات الدولية والقانون الجنائي الدولي.
وأوضح قربي أن الجرائم التي ارتكبها النظام البائد في إطار سياسة أو ممارسة واسعة ومنهجية يمكن أن تدخل في نطاق الجرائم ضد الإنسانية، وبالتالي فإنها لا تسقط بالتقادم وفق المرجعيات الدولية وكذلك وفق النصوص الخاصة الواردة في الإعلان الدستوري. وشدد حاج بكري على أن القضاء يستطيع الاستناد إلى مبادئ القانون الدولي عند النظر في الجرائم التي تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم تعذيب، وهو ما يسمح بتجاوز عقبة التقادم.
وأبان العبد الله أن تعميم وزير العدل رقم 12 لعام 2026 أكد عدم سريان التقادم عند وجود قوة قاهرة أو سبب أمني منع المعتدى عليه من تقديم دعواه أو شكواه. وارتبط هذا الطرح بطبيعة المرحلة التي ارتكبت خلالها الجرائم، إذ إن ممارسة الترهيب والخوف والسيطرة على الأجهزة الأمنية والقضائية قد تشكل عائقا فعليا أمام الضحايا.
وقدم الخبراء جريمة الاختفاء القسري كنموذج على التعقيد الذي يحيط بمسألة التقادم، حيث وصفها حاج بكري بأنها جريمة ضد الإنسانية وجريمة مستمرة، لأن الجريمة لا تنتهي بمجرد الاعتقال، وإنما تستمر طالما ظل مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده مجهولين. وارتبط ذلك بالاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، التي وقعت عليها سوريا عام 2007، والتي تنص في مادتها الثامنة على أن مدة التقادم لا تبدأ قبل انتهاء جريمة الاختفاء القسري.
وخلص الخبراء إلى وجود مسارين قانونيين يمكن الاستناد إليهما في معالجة الجرائم الجسيمة: المسار الوطني والمسار الدولي. وعلى المستوى الوطني، توجد أحكام التقادم والاستثناءات المرتبطة بجرائم معينة، إلى جانب إمكانية الأخذ بمفهوم القوة القاهرة والمانع الأمني والجريمة المستمرة. أما على المستوى الدولي فتبرز اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها والقانون الجنائي الدولي واتفاقية روما، باعتبارها أطرا قانونية تستبعد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من نطاق التقادم.
نقلاً عن وكالة الأنباء السورية SANA

التعليقات (0)