دمشق-سانا: دفعت الثورة السورية الشاعرة صفية الدغيم إلى منح قصيدتها اتجاهاً أكثر التصاقاً بمعاناة السوريين، والتعبير عن قضاياهم ووجعهم، انطلاقاً من إيمانها بأن الكلمة وسيلة للدفاع عن الحقوق ونقل صوت المظلومين. وتجمع تجربة الدغيم بين الشعر الوجداني والقصيدة الثورية، متخذةً من الكلمة وسيلة للتعبير والتوثيق خلال سنوات الثورة، حيث استندت في بناء صوتها الشعري إلى قراءاتها وتجربتها الإنسانية.
النشأة الأولى.. تنافس ثقافي وشغف مبكر بالشعر
كان للبيئة والمجتمع أثر في تكوين شخصية الدغيم وتأطيرها فكرياً وتحديد ميولها، فقد نشأت في عائلة تسودها حالة من التنافس في كل ميدان ثقافي أو أدبي أو فكري، وكان لذلك أثر في سعيها الدائم إلى التميز وترك بصمة مختلفة عما تركه غيري. وبدأ شغفها بالشعر مبكراً، في المرحلة الإعدادية، لكنها لم تكن تعرف شيئاً عن البحور الشعرية، ولذلك كانت تقع أحياناً في أخطاء عروضية بسيطة قد تمر على سمع غير المختصين من دون انتباه.
وبعد أن تعلمت شيئاً عن علم العروض في المرحلة الثانوية، بدأت كتابة الشعر الموزون. وكانت تحاول معارضة كل قصيدة تعجبها، وهو ما جعل موسيقى البحور تترسخ في ذهنها رسوخاً تاماً. ومن أكثر الشعراء الذين تأثرت بهم المجددون، نزار قباني وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل، إلى جانب كثير من شعراء اليوم.
ثقافة عصامية.. وتجربة نضجت مع الثورة
لم تشعر الدغيم يوماً بأنها أقل من أصحاب الشهادات العليا، وإن كانت تتمنى إكمال دراستها الأكاديمية، التي حالت دونها أسباب منعت كثيراً من بنات جيلها في مناطقهن من متابعة دراستهن. وكان هذا التمني من باب التمكين الذاتي، تحسباً لظروف جائرة قد تضطر إلى مواجهتها. فقد كانت عصامية في بناء ذاتها الأدبية والثقافية منذ الصغر، وساعدتها في ذلك مكتبة والدها، التي كانت تضم أمهات الكتب وما تفرّع عنها من مؤلفات.
وتجربتها بمعناها الحقيقي، التي أصبحت لها بصمتها الواضحة، أو لنقل النقلة النوعية فيها، وُلدت مع ولادة الثورة. ولعل إحساسها العميق بقهر المظلومين كان دافعاً لها كي تتكلم بألسنتهم. ولا بد للظروف المحيطة بالإنسان أن تؤثر فيه نفسياً، باعتباره جزءاً من هذه المعاناة. وعلى من يستطيع أن يدافع عن حقوق الناس استخدام ما يتقنه، فالشاعر بشعره، والناثر بنثره، والروائي برواياته، وهكذا يؤدي كل إنسان دوره من خلال أدواته.
من المظاهرات إلى القصيدة.. ذاكرة شخصية في قلب الثورة
غيّرت الثورة لديها كثيراً من المفاهيم، لكنها لم تغيّر مفهومها للشعر، فأنا منذ البداية كنت أؤمن بأن الشعر رسالة إنسانية عامة، أو أنه في أدنى أحواله تجربة أدبية وفنية. أما القصيدة التي تلخص مرحلة الثورة في تجربتها، فهي قصيدة «سمائيون»، وتتألف من أربعين بيتاً. اجتهدت كثيراً لتطوير نفسي في المجال الذي وجدت ذاتي فيه، ولكن ما قبل الثورة شيء، وما بعدها شيء آخر.
ومع ذلك الخط البياني العام لتجربتها يشهد ارتقاءً مستمراً، كما تسمع ذلك من خلال مراقبين ونقاد. وتعتبر أن أفضل دواوينها حتى الآن «في غيابة الجب» و«ما أفضى به الجرح»، ولديها حالياً أكثر من ديوان جاهز للطباعة، ولعلها تكون الأفضل بين دواوينها، لأنها تمثل خلاصة تجربتها حتى الآن. وأنا وعائلتي انخرطنا في صفوف الثورة منذ اللحظة الأولى، وشاركنا في المظاهرات، وقد كتبت شخصياً لافتات تحمل شعارات الثورة، كما كتبت أناشيد غناها آنذاك رائد الحامض، المعروف بقاشوش جرجناز.
كذلك نظمت مظاهرات للأطفال والنساء، وصورتها وأرسلتها إلى قنوات إعلامية، وعشت مع بقية أهلي الظروف الصعبة، من القصف والاقتحام والتدمير والاعتقال العشوائي، وسائر الفظائع التي يمكن أن يتخيلها المرء، وقد تجلى ذلك بوضوح في أشعاري. وتترجم مسيرة الدغيم الأدبية ظاهرة “شعر المقاومة والالتزام” في المشهد السوري المعاصر، إذ تحولت قصائدها من التعبير الوجداني الفردي إلى سجل حقوقي علني يوثق انتهاكات النظام البائد وقدرة المثقف على قيادة الخطاب التوعوي.
صرخة تختزل وجع التجربة
وتحولت تجربة النزوح المريرة وعتمة القصف بريف إدلب، إلى طاقة أدبية تفكك رواية النظام البائد، وتدعم مسارات العدالة الانتقالية، وتوفر للأجيال الحالية حوامل معرفية تحمي الذاكرة الجمعية للمجتمع السوري. وفي ختام الحوار، أوردت الدغيم قوله تعالى: «يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً» كعبارة تختصر ما تركته تلك السنوات المريرة في داخلها.
نقلاً عن وكالة الأنباء السورية SANA

التعليقات (0)