لم ينته انتظار عائلة الصحفي السوري نبيل الشربجي بعد تلقيها نبأ وفاته في المعتقل، إذ خلف ذلك النبأ أسئلة كثيرة حول ظروف اعتقاله وما تعرض له، بالإضافة إلى ذاكرة أب يحتفظ بتفاصيل زيارته الأخيرة لابنه ووصية لم تفارق رفاقه بألا يُنسى المعتقلون وقضيتهم.
تختصر قصة الشربجي، أحد مؤسسي صحيفة "عنب بلدي" في مدينة داريا بريف دمشق، جانبا من معاناة الصحفيين الذين تعرضوا للاعتقال والقتل خلال سنوات الثورة السورية، كما تكشف الوجه الإنساني للانتهاكات التي لا تقف آثارها عند الضحايا بل تمتد إلى عائلاتهم التي تعيش بين الفقد وانتظار الحقيقة والمساءلة.
اعتقال غيّر مسار الحكاية
بدأت علاقة نبيل الشربجي (1984-2015) بالصحافة مع انطلاق الحراك الشعبي، إذ اختار العمل الإعلامي رغم حصوله على شهادة في المجال الزراعي، مفضلا المهنة التي أحبها على المسار الذي اقترحته عليه عائلته. ويستعيد والده وليد الشربجي تلك البداية، موضحا أنه طلب من ابنه العمل في الزراعة بعد تخرجه، لكنه أصر على متابعة الصحافة لشغف بها ورغبته في ممارستها.
ويقول وليد الشربجي إن نبيل لم يترك مظاهرة في داريا ودمشق إلا وشارك في تغطيتها، وكان حاضرا في محيط المساجد والأسواق والساحات العامة، متنقلا بين مواقع الاحتجاج لتوثيق ما يجري ونقل أحداثه. ومع تصاعد الملاحقات الأمنية، اضطر الشربجي الابن إلى التنقل بين منازل أصدقائه ومعارفه تفاديا للاعتقال، وكان يطمئن والده أحيانا بأنه خارج البلاد، بينما كان لا يزال داخل سوريا ويتجنب الظهور في الأماكن العامة.
لكن محاولات الاختباء لم تمنع اعتقاله قرب فرن البيادر في داريا، عند حاجز للمخابرات الجوية التابعة للنظام البائد أثناء توجهه لوداع أحد أصدقائه، وفق رواية والده، الذي يضيف أن خبر اعتقاله انتشر لاحقا عبر الإنترنت.
زيارة أخيرة وذاكرة أب لا تنسى
بعد انتقال الشربجي إلى سجن صيدنايا، تمكن والده من زيارته مرة واحدة، وهي الزيارة التي بقيت تفاصيلها راسخة في ذاكرته، لما عكسته من تدهور الحالة الصحية لابنه، إذ يصفه بأنه كان "جلدا وعظما". ويستعيد الوالد لحظة لقائه، حين سأله نبيل عن جدته وأخيه وبقية أفراد العائلة، فأجابه إن الجميع بخير، رغم وفاة بعضهم، خشية أن يزيد إخباره بذلك من معاناته داخل السجن.
ولم تمضِ سوى نحو عشرة إلى خمسة عشر يوما على تلك الزيارة حتى تلقى والده نبأ وفاة ابنه، لتنتهي بذلك رحلة الانتظار على وقع خبر الفقد، فيما بقيت تفاصيل ما تعرض له داخل المعتقل وأسئلة المسؤولية والمساءلة جزءا من القضية التي لم تغب عن ذاكرة عائلته.
"لا تنسونا" وصية من خلف القضبان
ولم تقتصر حكاية الشربجي على شهادة عائلته، إذ يستعيد السياسي والحقوقي مروان العش، الذي تعرف إليه خلال بدايات الحراك الشعبي، لقاءاته مع ناشطي داريا، ومن بينهم نبيل وأسامة نصار ويحيى الشربجي. ويشير العش إلى حضور نبيل في المظاهرات حاملا كاميرته، متنقلا بين المشاركين لتوثيق الأحداث ونقل الشعارات السلمية، لافتا إلى حرصه على البقاء في الميدان وتغطية ما يجري رغم المخاطر الأمنية التي كانت تحيط بالصحفيين والناشطين آنذاك.
ومن بين الذكريات التي لا تزال حاضرة لديه لقاء جمعه بالشربجي في سجن عدرا، قبل نقله إلى صيدنايا، حين طلب منه ألا ينسى المعتقلين وقضيتهم، قائلا: "أستاذ مروان أنت سياسي وبتعرفنا، لا تنسونا، نحن هلق بظرف صعب". ويقول العش إن هذه الكلمات بقيت حاضرة في ذاكرته، وإنه واصل متابعة قضايا المعتقلين وتوثيق الانتهاكات التي تعرضوا لها في السجون ومراكز الاحتجاز.
كما قدم شهادة عن الشربجي خلال مداخلة في جلسة استماع عقدتها محكمة الشعب في لاهاي عام 2022، تناولت ثلاث قضايا لاغتيال صحفيين، هي قضية نبيل الشربجي عام 2015، والصحفي لاسانثا ويكرماتونج في سريلانكا عام 2009، والصحفي ميغيل أنخيل لوبيز فيلاسكو في المكسيك عام 2011.
الحقيقة حق لا يسقط بمرور الزمن
وبعد سنوات على وفاته، لا تستعيد قصة الشربجي مجرد سيرة صحفي من داريا، بل تطرح سؤالا يتجاوز حالته الفردية إلى مصير الصحفيين الذين تعرضوا للقتل أو الاعتقال أو الاختفاء، وحق عائلاتهم في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة. وإنهاء الإفلات من العقاب لا يتحقق بمجرد إحياء ذكرى الضحايا، وإنما يبدأ بالتحقيق في الجرائم، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة مرتكبيها، وضمان ألا يبقى استهداف الصحفيين بلا مساءلة، وألا تتحول معاناة عائلاتهم إلى انتظار مفتوح بلا إجابات.
تتجاوز قضية الشربجي حدود التجربة السورية، لتندرج ضمن واقع دولي لا يزال يشهد ارتفاعا في معدلات الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين، بما يهدد سلامتهم وحرية العمل الإعلامي وحق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات. ووفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" لعام 2026، فقد قُتل أكثر من 1700 صحفي منذ عام 1993 بسبب نقل الأخبار وإيصال المعلومات إلى الجمهور، فيما يفلت المسؤولون عن قتلهم من العقاب في تسع حالات من كل عشر، بحسب مرصد المنظمة للصحفيين المقتولين.
وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين بموجب القرار رقم 68/163 الصادر عام 2013، وحددت الثاني من تشرين الثاني موعدا لإحيائه، بهدف حث الدول على التحقيق في الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين ومحاسبة المسؤولين عنها.
ولا تقتصر أهمية هذا اليوم على استذكار الصحفيين الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء عملهم، بل تمتد إلى التأكيد على حماية الصحفيين، وضمان حق عائلات الضحايا في معرفة مصير أبنائها، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم التي طالتهم.
نقلاً عن وكالة الأنباء السورية SANA

التعليقات (0)